ابن قيم الجوزية

154

الروح

الأعلى تسرح في الجنة حيث شاءت وتسمع سلام المسلم عليها عند قبرها وتدنو حتى ترد عليه السلام ، وللروح شأن آخر شأن البدن ، وهذا جبريل صلوات اللّه وسلامه عليه رآه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وله ستمائة جناح ، منها جناحان قد سد بهما ما بين المشرق والمغرب ، وكان من النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم حتى يضع ركبتيه بين ركبتيه ويديه على فخذيه ، وما أظنك يتسع بطنك أنه كان حينئذ في الملأ الأعلى فوق السماوات حيث هو مستقره . وقد دنا من النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم هذا الدنو فإن التصديق بهذا له قلوب خلقت له وأهلت لمعرفته ومن لم يتسع بطاقة لهذا فهو أضيق أن يتسع للإيمان بالنزول الإلهي إلى سماء الدنيا كل ليلة وهو فوق مساواته على عرشه لا يكون فوقه شيء البتة ، بل هو العالي على كل شيء وعلوه من لوازم ذاته . وكذلك دنوه عشية عرفة من أهل الموقف ، وكذلك مجيئه يوم القيامة لمحاسبة خلقه ، وإشراق الأرض بنوره ، وكذلك مجيئه إلى الأرض حين دحاها وسواها ومدها وبسطها وهيأها لما يراد منها . وكذلك مجيئه يوم القيامة حين يقبض من عليها ولا يبقى بها أحد كما قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فأصبح ربك يطوف في الأرض وقد خلت عليه البلاد ، وهذا هو فوق سماواته على عرشه . فصل [ الرؤيا ] ومما ينبغي أن يعلم أن ما ذكرنا من شأن الروح يختلف بحسب حال من الأرواح من القوة والضعف ، والكبر والصغر ، فالروح العظيمة الكبيرة ذلك ما ليس لمن هو دونها ، وأنت ترى أحكام الأرواح في الدنيا كيف تتفاوت أعظم تفاوت ، بحسب تفارق الأرواح وكيفياتها وقواها وإبطائها وإسراعها والمعاونة لها ، فالروح المطلقة من أسر البدن وعلائقه وعوائقه التصرف والقوة والنفاذ والهمة وسرعة من الصعود إلى اللّه والتعلق باللّه ما ليس للروح المهينة المحبوسة في علائق البدن وعوائقه ، فإن كان هذا وهي محبوسة في بدنها فكيف إذا تجردت وفارقته واجتمعت فيها قواها وكانت في أصل شأنها روحا علية زكية كبيرة ذات همة عالية فهذه لها بعد مفارقة البدن شأن آخر وفعل آخر . وقد تواترت الرؤيا من أصناف بني آدم على فعل الأرواح بعد موتها ما لا